الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
176
مناهل العرفان في علوم القرآن
والخفاء لم يجيء من ناحية غرابة في اللفظ أو اشتراك فيه بين عدة معان أو إيجاز أو إطناب مثلا . فتعين أن يكون من ناحية المعنى وحده . ( القسم الثالث ) وهو ما كان التشابه فيه راجعا إلى اللفظ والمعنى معا ، له أمثلة كثيرة منها قوله عز اسمه . وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها فإن من لا يعرف عادة العرب في الجاهلية ، لا يستطيع أن يفهم هذا النص الكريم على وجهه . ورد أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب . فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ، يدخل ويخرج منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء ، فنزل قول اللّه . وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها . وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ، وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . فهذا الخفاء الذي في هذه الآية ، يرجع إلى اللفظ بسبب اختصاره ؛ ولو بسط لقيل : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة . ويرجع الخفاء إلى المعنى أيضا ، لأن هذا النص على فرض بسطه كما رأيت ، لا بد معه من معرفة عادة العرب في الجاهلية وإلا لتعذر فهمه . قال الراغب في المفردات القرآن : المتشابه بالجملة ثلاثة أضرب . متشابه من جهة اللفظ فقط ، ومن جهة المعنى فقط ، ومن جهتهما . ( فالأول ) ضربان ، أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة ، إما من جهة الغرابة ، نحو الأبّ ويزفّون ، أو الاشتراك كاليد واليمين . وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب ، وذلك ثلاثة أضرب ، ضرب لاختصار الكلام ، نحو وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ . وضرب لبسطه نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لأنه لو قيل . ليس مثله شئ كان أظهر للسامع ، وضرب لنظم الكلام ، نحو أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً تقديره ، أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا .